ناس مصر

عبد الحليم قنديل يكتب:: دراما تقرير المصير الايراني

عبد الحليم قنديل يكتب:: دراما تقرير المصير الايراني

 

تواترت انطباعات متفائلة من إيرانيين وأمريكيين عن نتائج جولة المحادثات

األخيرة فى “جنيف” ، بينها كالم “عباس عراقجى” وزير الخارجية اإليرانى عن

تقدم محسوس فى وضع المبادئ الرئيسية التفاق محتمل فى الملف النووى ،

وحديث نائب الرئيس األمريكى ” جى . دى . فانس” عن تقدم ما فى عروض

اإليرانيين ، إال أنه عاد للتحفظ بقوله أن اقتراحات طهران لم تالمس بعد ما أسماه

“الخطوط الحمر” للرئيس األمريكى “دونالد ترامب” ، الذى صرح قبل جولة

“جنيف” ، أنه سيشارك على نحو غير مباشر فى المفاوضات ، وقد منح لها مدة

أقصاها شهرا ، ويمثله فيها صهره “جاريد كوشنير” ومبعوثه المفضل “ستيف

ويتكوف” ، وقد شارك اإلثنان بالوقت نفسه ، وفى ذات المدينة السويسرية فى

مفاوضات أخرى تتعلق بحرب أوكرانيا ، ولم تسفر المفاوضات الروسية

األوكرانية عن جديد يعتد به ، ويخشى المراقبون أن تكون تلك النتيجة مماثلة أو

مقاربة لما جرى فى جولة المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران ، التى

جرت كما جولة “مسقط” السابقة بوساطة عمانية ، واقتصرت على تبادل رسائل ،

أبدت فيها طهران على ما يبدو استعدادا لتنازالت محسوسة مغايرة لموقفها المعلن

، خصوصا فيما تعلق بنسبة التخصيب ، والتصرف فى مئات كيلوجرامات

اليورانيوم المخصبة بنسبة تفوق الستين بالمئة ، واقتراحات بالرفع التدريجى ـ ال

الكامل ـ للعقوبات األمريكية المفروضة على إيران منذ 47 سنة .

وقد بدا أداء المفاوض اإليرانى قويا ، فقد نجح اإليرانيون حتى اليوم فى

صياغة جدول المفاوضات لصالحهم ، وقصروا النقاش على الملف النووى ،

ونجحوا فى نقل مكان ووساطة التفاوض من تركيا إلى سلطنة عمان ، ثم إلى

“جنيف” الحقا بالوساطة العمانية المنفردة ذاتها ، والحفاظ على شكل التفاوض

غير المباشر ، ثم بطرح إغراءات اقتصادية تسيل لعاب وفد “ترامب” ، وفتح

الباب الستثمارات أمريكية فى حقول بترول إيران وغازها الطبيعى ومخزونات

المعادن النادرة ، قد تصل قيمتها إلى تريليون دوالر ، وبراعة اإليرانيين فى

التفاوض وإطالة أمده ، دفعت “ترامب” نفسه الذى يعتبر أنه أبرع المفاوضين إلى

حذر، بدا فى تصريحاته قبل جولة “جنيف” ، وقال أن التفاوض مع اإليرانيين

“صعب جدا” ، و”أنهم ـ أى اإليرانيين ـ منذ 47 سنة ، يتحدثون ويتحدثون

2
ويتحدثون ، وخالل تلك الفترة فقدت الكثير من األرواح” ، و”ترامب” يقصد طبعا
أرواح القتلى األمريكيين ، فلم يعد يذكر أرواح اإليرانيين المعارضين المتظاهرين
، وقد ادعى قبل أسابيع ، أن “النجدة” األمريكية فى الطريق إليهم ، وأن عليهم أن
يبادروا إلى السيطرة على مؤسسات الحكم اإليرانى ، ثم لم يعد يذكرهم بحرف ،
وحين ذكره بعض الصحفيين بوعوده ، قال ببساطة أنه أوفى بها من خالل آالف
أجهزة “ستارلينك” ، فى إشارة إلى الخطة التى أحبطتها أجهزة النظام اإليرانى ،
وهو يركز اليوم على اتفاق فى الملف النووى ، يمنع إيران تماما من التخصيب
النووى ، وإن حاول الحفاظ على بعض ماء وجهه ، وحذر إيران من “ضربة
مؤلمة جدا” حسب تعبيره ، واعتبر أن تغيير النظام اإليرانى هو “أفضل ما يمكن
أن يحدث” .
وما امتنع عن قوله “ترامب” ، قاله مقربون منه ، سواء فى تيار “ماجا” على
طريقة “فانس” ، أو تيار اللوبى الصهيونى المساند له والضاغط عليه بشدة ،
وأبرز رموزه صديق “ترامب” السيناتور الصهيونى اليهودى “ليندسى جراهام” ،
الذى ذهب إلى كيان االحتالل قبيل جولة مفاوضات “جنيف” ، وصرح من هناك
بالهدف الحقيقى الذى يتبناه مع “إسرائيل” ، وقال بوضوح أن “تغيير النظام فى
إيران هو الحل األمثل للمشاكل التى تخلقها إيران فى المنطقة” ، وأضاف ما معناه
، أنه حتى لو وقعت خسائر فى أرواح الجنود األمريكيين ، فهى أهون عنده من
مخاطر بقاء نظام آيات هللا ، وذكر أن “ترامب” لم يقرر إرسال حاملة الطائرات
األمريكية األكبر “جيرالد فورد” بهدف “معاينة أحوال الطقس فى المنطقة” ، وفى
ذات توقيت تصريحات “ترامب” وصديقه الصهيونى المقرب “جراهام” ، كان رد
القائد األعلى اإليرانى “آية هللا على خامنئى” حاسما فى تحدى الصلف األمريكى
الصهيونى ، وأعلن أن حلم “ترامب” فى “إنهاء إيران” لن يتحقق ، وأن حامالت
الطائرات األمريكية سالح خطير ، لكن األخطر منه هو سالح إيران الكفيل
بتغييب الحامالت “فى أعماق البحر” ، والمعروف أن “خامنئى” هو صاحب
القرار األول واألخير فى النظام اإليرانى ، وأن قراراته لها أولوية دينية ودنيوية
معا فى طهران ، وأن قاعدة نظامه ـ على كثرة فئات المعارضة العرقية والسياسية
واالجتماعية واالقتصادية ـ التزال مؤثرة شعبيا ، ويتواصل صمودها رغم فرض
سبعة آالف عقوبة غربية وأمريكية ، وبدت حيويتها ظاهرة فى التظاهر المليونى
احتفاال بالعيد السابع واألربعين لثورة 11 فبراير 1979 ، وقبلها فى الخروج
المليونى إلنهاء اضطرابات عفوية ومسلحة هددت النظام ، وكان الرد قاسيا سقط
فيه اآلالف ، واستعان النظام بقوات مسلحة متنوعة الصفات ، يصل قوامها

3
اإلجمالى إلى نحو خمسة ماليين مقاتل جرى إعدادهم لنصرة النظام فى لحظة
الخطر .
وبغير احتياج إلى شروح كثيرة ، فنحن بصدد حربين متوازيتين إلسقاط
النظام اإليرانى ، حرب بالتفاوض تحت الضغط األقصى اقتصاديا وعسكريا ،
وتوسيع لقائمة المطالب األمريكية “اإلسرائيلية” ، وليس فقط إخضاع المفاوض
اإليرانى فى الملف النووى ، ودفع إيران إلى قبول سياسة “صفر” تخصيب ، ونقل
المخزون المخصب إلى خارج إيران ، وتدمير أجهزة الطرد المركزى
والمفاعالت كلها ، وقبول إيران لشئ من ذلك ال يبدو واردا بسهولة ، ولو قبلت
طهران ـ افتراضا ـ بذلك كله ، فسوف تطلب واشنطن بحث وتقييد برنامج إيران
الصاروخى وشبكة عالقاتها بالفصائل الحليفة ، وكلها مطالب تعجيز، ال معنى
لقبولها سوى االنتحار الذاتى للنظام واستسالمه على نحو شامل ، وتلك تكلفة أعلى
من قبول الخيار الحربى وتكاليفه ، وقد حشر “ترامب” نفسه فى الزاوية الضيقة ،
التى ال تتيح له قبول تنازالت إيرانية جزئية فى الملف النووى ، وتصويرها
كانتصار يحتاجه داخليا ، فهو لم يعد يملك فرصة التراجع عن ضربة كبيرة
إليران ، بعد أن زاد الحشد األمريكى حول إيران إلى حدود قصوى غير مسبوقة
فى المنطقة ، ليس فقط بحامالت الطائرات )أبراهام لينكولن وجيرالد فورد
وجورج بوش( وأساطيل مدمراتها وصواريخها وغواصاتها النووية ، بل بجيش
هائل من طائرات التزود بالوقود جوا وقاذفات “إف ـ 15″ وإف ـ22″ و”إف ـ
35” ، وجسور نقل األسلحة والقوات إلى نحو ستين قاعدة فى المشرق والخليج
العربيين ، وإلى قواعد كبرى مضافة فى “أرمينيا” و”أذربيجان” و”تركمانستان”
شمال إيران ، واالحتماالت المرئية إلضافة حشود جديدة قبل موعد الضربة
المقررة ربما أواخر مارس المقبل ، مع األخذ فى الحساب أسلحة جيش الكيان
“اإلسرائيلى” ، واإلضافات األمريكية لقوته برا وبحرا وجوا ، وبما قد يزيد الحشد
األمريكى المستعد لضرب إيران إلى ما يزيد على نصف إجمالى قوة الجيوش
األمريكية كلها .
الحشود األمريكية ـ إذن ـ أكبر من مظاهرة ضغط بمشهد السالح على أعصاب
المفاوض اإليرانى ، وهو ما يدركه اإليرانيون قبل غيرهم ، حتى لو تأجلت
الضربة ألسابيع ، تكمل فيها واشنطن وتل أبيب االستعداد وتنقيح الخطط ، وهو
ذات ما يفعله اإليرانيون بوسائل مختلفة ، نأمل أن يكون بينها تحصين الداخل
اإليرانى ، ومعالجة االختراقات المخابراتية األمريكية و”اإلسرائيلية” وراء
الخطوط اإليرانية ، فنزعة “ترامب” البراجماتية قد ال تقنعه باالعتماد على ابن

4
الشاه المخلوع ، فليست لألخير من قواعد شعبية تدعم تنصيبه كبديل ، وربما يفكر
األمريكيون و”اإلسرائيليون” والبريطانيون شركاء الضربة المنتظرة على نحو
مختلف ، عنوانه االتفاق مع قيادى عسكرى من داخل النظام اإليرانى الحالى ،
واالستعاضة عن الغزو البرى الشامل بعمليات “كوماندوز” ، أو بمحاولة اغتيال
المرشد “خامنئى” نفسه ، رغم وجود ثالثة بدائل جاهزة لإلحالل حال اختفاء
المرشد ، إضافة لشن حملة تدمير وإبادة لكل مرافق إيران البترولية والعسكرية
واألمنية ، فى حملة جوية قد تتطاول ألسابيع ، ودونما ضمان مؤكد إلنهاء النظام
، فقد ال يجادل أحد فى التفاوت الرهيب بين قوات أمريكا وقوة إيران ، لكن إيران
قد تكون قادرة على الصمود وإيذاء العدو جديا وعلى مراحل فى حرب غير
متناظرة جوا وبحرا ، ال تستثنى شيئا من األهداف “اإلسرائيلية” واألمريكية فى
المنطقة ، وربما تصل فى ذروتها إلى إغالق مضيق “هرمز” ، التى أجرت إيران
مؤخرا مناورات “التحكم الذكى” فيه ، وأتبعتها بمناورات مشتركة مع الروس فى
بحر عمان والمحيط الهندى ، فيما تؤكد مصادر صينية على استمرار تزويد إيران
بأسلحة دفاع جوى وأجهزة تشويش متطورة ، ناهيك عن أدوار محتملة لحلفاء
إيران فى لبنان واليمن ، إن استطالت الحرب وتوسعت رقعتها ، فهى حرب تقرير
مصائر أوسع من خرائط إيران والمنطقة كلها ، وال اختيار للنظام اإليرانى فيها
سوى أن ينهض من رمادها وحرائقها .
Kandel2002@hotmail.com

Exit mobile version